السيد صادق الموسوي

27

تمام نهج البلاغة

أقوال في نهج البلاغة ظهير الدين علي بن زيد البيهقي : هذا الكتاب النفيس « نهج البلاغة » مملوّ من ألفاظ يتهذّب بها المتحدث ، ويتدرّب بها المتكلّم ، فيه من القول أحسنه ، ومن المعاني أرصنه ، كلام أحلى من نغم القيان ، وأبهى من نعم الجنان ، كلام مطلعه كسنة البدر ، ومشرعه مورد أهل الفضل والقدر ، وكلمات وشيها خبر ، ومعانيها فقر ، وخطب مقاطعها غرر ، ومباديها درر ، استعاراتها تحكي غمرات الألحاظ المراض ، ومواعظها تعبّر عن زهرات الرياض ، جمع قائل هذا الكلام بين ترصيع بديع ، وتحنيس أنيس ، وتطبيق أنيق . فللهّ درّ خاطر عن مخائل الرّشد ماطر ، وعين اللّه على كلام إمام ورث الفضائل كابرا عن كابر ، ولا غرو للروض الناضر إذا انهلّت فيه عزالي الأنواء أن يخضرّ رباه ، ويفوح رياّه ، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة ان يحمد عند الصباح سراه ، ولا لمجيل قداح الطهارة إذا صدقّه رائد التوفيق والإلهام أن يفوز بقدحي المعلّى والرقيب ، ويمتطي غوارب كل حظّ ونصيب . ولا شك أن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان باب مدينة العلوم ، فما نقول في سقط انفضّ من زند خاطره الوادي ، وغيض بدا من فيض نهره الجاري ، لا بل في شعلة من سراجه الوهّاج ، وغرفة من بحره الموّاج ، وقطرة من سحاب علمه الغزير ، ولا ينبّئك مثل خبير . ابن أبي الحديد : كثير من أرباب الهوى يقولون : إن كثيرا من « نهج البلاغة » كلام محدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة ، وربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن أو غيره ، وهؤلاء قوم أعمت العصبيّة أعينهم ، فضلّوا عن النهج الواضح ، وركبوا بنيّات الطريق ( 1 ) ، ضلالا وقلّة معرفة بأساليب الكلام . وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط ، فأقول : لا يخلو إما أن يكون كلّ « نهج البلاغة » مصنوعا منحولا ، أو بعضه . والأول باطل بالضرورة ، لأنّا نعلم بالتواتر صحة استناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدّثون ، كلّهم أو جلّهم ، والمؤرّخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك . والثاني يدلّ على ما قلناه ، لأن من قد أنس بالكلام والخطابة ، وشدا طرفا من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لا بدّ

--> ( 1 ) - البنيّات : أصله الطرق الصغار تتشعب من الجادّة ، ثم أطلقت على الترهات .